محمد متولي الشعراوي

2923

تفسير الشعراوى

وهذه الأحكام كلها تبنى قضية الدين ، قضية عقدية في الألوهية ، قضية البلاغ عن الألوهية بواسطة الرسالة . وأحكام تنظم حركة المجتمع بالعقود والأمانات والأنكحة وغيرها ، كل هذه الأحكام تصنع هيكل الدين العام . وقد مر هيكل الدين العام بمرحلتين : المرحلة المكية وكان كل هدفها التركيز على العقيدة والإيمان بوحدانية اللّه والنبوات والبلاغ عن اللّه ، وبعد ذلك في المرحلة المدنية جاءت سورة النساء وسورة المائدة لتتكلما عن الأحكام . وبالعقيدة وبالبلاغ عن اللّه وبالأحكام يكتمل الدين ؛ لذلك يقول الحق : « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ » كأن الكافرين كان لهم أمل في أن يحبطوا هذا الدين وأن يبطلوه وأن ينقضوه ، وكذلك المؤمنون بأديان سابقة أو بكتب سابقة كانوا يحبون أن يطرأ على القرآن الأفعال التي مارسوها مع كتابهم من النسيان والترك والتحريف ، وسبحانه هو القائل عن أصحاب الكتب السابقة : وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ( من الآية 13 سورة المائدة ) إذن فقد أرادوا أن ينسى المسلمون - أيضا - حظا من القرآن ، لكن الحق يخبر بأنهم يئسوا أن ينسى المسلمون حظا مما ذكروا به ؛ لأن الصحابة حفظوا القرآن في الصدور وكتبوه في السطور ومن لسان الرسول مباشرة . ولم يحدث مثلما حدث مع الرسل السابقين . فقد تم تسجيل هذه الكتب المنزلة عليهم بعد ثلاثة أو أربعة قرون ، بل أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بكتابة القرآن من فور نزول كل نجم من الآيات ، وكان يأمر بوضع الآيات بترتيب معين . إن على الذين كفروا أن ييأسوا من أن ينسى المسلمون حظا مما ذكروا به . وهؤلاء القوم من أهل الكتاب لم ينسوا حظا مما ذكروا به فقط ، بل أيضا حرفوا الكتاب عن مواضعه وكتموا ما أنزل اللّه : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ( من الآية 174 سورة البقرة )